الأربعاء  25 تشرين الثاني 2020
LOGO

المُعلِّمُ مْهَيِّصْ/ بقلم: عبد الله لحلوح

2020-10-25 10:39:58 AM
المُعلِّمُ مْهَيِّصْ/ بقلم: عبد الله لحلوح
عبد الله لحلوح

عندما ( يُهَيِّصُ) الإنسان، فإنه يكون في أعلى درجات الفرح والسعادة، وهذه السعادة الناعمة، لا تتأتّى لطفران، ولا للنائم اليقظان، ولا للمتهرِّب من صاحب الدكان، والمتخفي من وجه الضرائب، وجامعي الفواتير، والبنوك، ولا تتأتى كذلك للذين يُؤجِّلون أَمراضهم لأجلٍ غير مُسمّى، ولا لأولئك الذين يعرفون أنَّهم متزوجون، فيفطنون لِغُرَفِ نومِهم المصنوعة بالشيكات المؤجلة، وقد لا يتذكرون (واجباتهم)، إلا في الثلث الأول من الشهر، حيث يبدأ الشهر لديهم بعد عبور السبت في مكان ما.

المعلمون يعيشون حالةً من التهييص؛ فالكلمة في أساسها لا علاقة لها مباشرة بحالة الفرح، بل إنها تأخذ في بعض اشتقاقاتها جانبًا من حقولٍ دلالية ترتد للعنف والكسر و... ولكنَّ الضحك المبالغ فيه، وهو( الاهتياص) فإنه حكمةٌ ربانية، ومنحةٌ إلهيةٌ اختص بها عباده المعلمين. فلماذا لا يضحكون؟ فالراتبُ خاصتهم متضخِّمٌ جدًّا، ومهنتهم بالكاد تتطلبُ جهدًا، فَهُم يُجازون صيفًا، ويُجازون شتاءً، وَيُجازيهم الله في الدنيا قبل الآخرة، وكل الذي يقومون به لا يتعدى كونه روتينًا لا يستحق الذكر. فلْيُهَيِّصوا إِذَنْ.

ولما لم يكن المعلم بحاجةٍ إلى انتظام راتبه، فلماذا يهتمُّ بهذه الرتوش التي لا قيمة لها، وطالما أنه من ورثة الأنبياء، وهو رسول المعرفة، وحامل شعلة الخير والعطاء، فإنه يجب أن يعيش التَّهييصَ على أكمل وجه، فالعطاء أيضًا من المعاني المرتدة إلى الجذر( هَيَص)، وإذا كان المعلمُ مِعطاءً، وهي صفةٌ من صفات الأنبياء، فليكنْ مُهَيِّصًا كاملًا، ولماذا يسمح للناس الذين يعتلون الكراسي على مقاساتٍ مختلفة بالشفقة عليه؟ أليْسَ هو من كان ذات يومٍ يزرعُ فيهم حبَّ الحياة، ويعلمهم كيف يكونون أحرارًا؟ أليس هو من شرَح لهم بيت الشابي: "ومن لا يحب صعود الجبال....يعشْ أبدَ الدهرِ بين الحُفَر!"؟

فليرتفعوا بناءً على تعليماته، وليتغنّوا بأمجادهم الفوارغ، وليتركوا تلك السنين العجاف، متلذذين بما حباهم الله من الخير الوفير، والنعيم الكثير. ولماذا يشكرون المعلم؟

المعلم في أعراف الدنيا كلها، رمزٌ للعطاء، فلا يجوز أن يتوقف عن عطائه تحت أيِّ ظرف، حتى لو قُطِعَ راتبه، وحتى لو أُخْرِسَ صوته، ولو استدان من الدكان، ولو باع ما تبقى من (ذهبات زوجته) ولو اشتغل بعد الدوام وقبله في محطة محروقات، ليحرقَ قلبه بأولئك الذين ( يُفَلِّلون) تنكات سياراتهم على البطاقة، وهم ذاهبون صباحًا لنقل أولادهم للمدارس. ولو طلبَ من أبنائه ألا يتوجهوا للمدرسة أسبوعًا أو أقل؛ لأنَّ سائق التاكسي توقف عن خدماته، بعد أن تضخم الدين في دفتره، وبعد أن كَثُرَت مطالباته، وتلطيشاته للأولاد، وبعد أن شتم والدهم ( مربي الأجيال) واتهمه بالنصب والاحتيال. ولو استدان المعلمُ من كلِّ مَنْ يمكن أن يقرضه قرضًا حسنًا، ولو أراق ماء ظهره وبطنه ووجهه أمام ( اللي بسوى واللي ما بسوى). كل ذلك لا يمنع عطاء المعلم، فهو معلم الأجيال، ودوامه لا يزيد عن بضع ساعاتٍ يقضيها المعلم (خُرّاف فاظي) على رأي أحدِ الذين يعملون في مراكز أُخرى لا مجال فيها للخُرّاف، من صنّاع المطابخ، وطبّاخي الفَرَح والمَهْيَصَة.

"هَيِّصْ يا مْعَلِّمْ، وِحْنا مِنَّكْ نِتْعَلِّمْ" "والله ما حدا مبسوط قَدَّك" " أيْ على شو شايف حالك"، كلَّك شقفةْ أستاذ، وبدَّك حقوق ومش داري شو؟" فعلًا يا مْعَلِّمْ، خليك مْهَيِّصْ، ولا تسمعْ لكلام الشارع، أو ما تحت الشارع، فأنتَ أعلى وأبهى، "وقدّها وِقْدود، حتى لو بِعْت الحصيرة وِلِمْدود" وهذه لغةٌ لجدّتي الخليلية أم حسن، لا يعرفها كثيرون من رُوّادِ الحضارة الحديثة.

يوم أمس استمعت لأحدِ زجّالي المناسبات، وكان يُرَحِّبُ حداءً بِثُلَّةٍ من المعلمين المدعوّين لحفلِ زفافٍ لأحد طلابهم الميسورين. فقال: "لِمْعَلِّمْ فِعْلًا قَنّيص... ما يرضاش بْصيدْ رْخيصْ... ولو حتى باع القميصْ... يبقى للعلم عنوان" وقد ضحكَ المعلمون تهييصًا، وضحك بعض الحاضرين على ضحكهم، وضحكتُ أنا من بلاغةِ صديقي الحادي الذي لم يكن يومًا معلمًا، بل تخرَّج في الصف السادس، وراح يبيع الخضار لمعلميه، إلى أن تفتَّقَت قريحتُه، وصارَ حاديًا يُشارُ له بالبنان، وصارَ يُهَلِّي ويُمَرْحِبُ بالمعلمين المهيصين من شدة الطفر، وحلاوةِ الظَّفَرِ بصحنٍ دَسِمٍ على مائدةِ أحد طلابهم، حيث إنَّه أَعْرَس، وسيهيِّصُ على طريقته. أما هم، فقد لبّوا الدعوة، وظفِروا بالغداء، وانسلّوا بعد ذلك مُبارِكين صامتين. فهناكَ أعمالٌ أُخرى تنتظرُهم غير دفاتر التحضير، وحفلات التصحيح. والتصحيحُ مهنةٌ عظيمةٌ يقوم بها الأنبياء.