السبت  28 أيار 2022
LOGO

التلاميذ ومهارات التفكير| بقلم: ناجح شاهين

2021-12-27 10:40:10 AM
التلاميذ ومهارات التفكير| بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

يوكد هربرت بوتشتا على ان مهارات التفكير ليست شيئا فطريا من ناحية اساسية وانها في حاجة الى تنمية وتدريب مثلما يقول التربوي المشهور روبرت فيشر وقد يكون بوتشتا على حق في اهمية التدريب على مهارات التفكير. ولكن ذلك لا يعني ان الطفل لا يمكن ان يكتسب المهارة عرضا في سياق حياته اليومية. وفي تجربتي الشخصية ان احد الاطفال كان يساعد اباه في ازالة الحجارة من حديقتهم المنزلية. احد الحجارة كان كبيرا، وعندها قال الرجل مازحا : ربما ان هذا الحجر يغطي الحديقة كلها . نظر الطفل ابن السنوات الخمس حواليه لبرهة ثم قال "كلا لا يمكن ان يكون ذلك صحيحا لاننا استخرجنا منذ قليل حجرين مستقلين عنه " طبعا قام الطفل هنا بعملية استنتاجية ليست بسيطة ابدا بالقياس الى سنه. على الرغم من ذلك فان بوتشتا بالطبع على حق في اهمية التدريب. وفي هذا السياق يبين المؤلف ان الميكانيكي الذي يصلح السيارة لا يمتاز بمعرفته لاستخدام المطرقة او المفك اوالمفاتيح المختلفة . كل شخص تقريبا يستطيع ان يستخدم هذه الادوات، ولكن الميكانيكي هو شخص يستطيع ان يتخيل مسبقا ما هي الخطوات التي يجب ان يمر بها من اجل الوصول الى النتيجة المرجوة . وهو قادر على البحث عن بدائل لما فعل في حال لم يتم اصلاح السيارة . وهذا يشبه من يتعاطى مع ادوات التفكير التي يمكن ان يكون مطلعا على بعضها دون ان يكون قادرا على توظيفها بشكل فاعل ومؤثر. ويقدم المولف وصفا مبسطا لماهية استدخال عمليات التفكير في سياق معقد نسبيا مثل حل المشكلات . فهذه العمليات المعقدة مكونة في نهاية التحليل من عناصر اساسية اكثر بساطة . مثلا من المهم تدريب المتعلم على الاصغاء والتفحص الدقيق بالعينين . وكذلك من المهم التدرب على الانتباه اليقظ لفترات اطول من المعتاد في الحياة اليومية . ومن المهم تحديد هدف لعمل العقل. ويضيف المولف الى ذلك كله مهارات الابداع والمقدرة على النظر الى المشكلة من منظورات مختلفة . ثم هناك المقدرة على تخيل النواتج التي ستاتي نتيجة لتطبيق استراتيجية معينة واستبدالها في حال اتضح انها لن تنجح . ان ذلك يتضمن امرا غاية في الاهمية هو القدرة على تصميم الفكرة وربطها مع غيرها بحيث يحسن المتعلم التفكير فيما يريده، وكيف سيصل اليه. ولكنه بالتاكيد يحتاج بعد ذلك الى مهارات تقييم ما تم، وهل كان ناجحا ام ان هناك حاجة لتغيير استراتيجية مواجهة المشكلة او تعديلها. وعندما يتعلم الاطفال مثل هذه المهارات فان شخصياتهم تتغير بشكل عميق، فيتعلمون الاستمتاع بهذه المهارات، وتتعزز ثقتهم بانفسهم وملكاتهم.

هناك جانب آخر مهم لهذه القضية هو كيفية قياس مهارات التفكير العليا لدى الاطفال. وفي هذا السياق يجد ريتشارد ستيجنز وباحثون آخرون ان ما يتم التركيز عليه في عمليات التقييم هو مهارة الحفظ في غالبية الاحوال. وقد قام الباحثون بدراسة تقييم لعمليات التفكير العليا في الرياضيات والعلوم والاجتماعيات واللغة. وتمت متابعة لعمليات التقييم الشفهي والتحريري على السواء. وقد وجد الباحثون انه على الرغم من ان المدرسين المبحوثين قد تلقوا تدريبا فيما يتصل بتعليم مهارات التفكير، الا انهم في اغلب الاحوال لم يتلقوا اي تدريب في مجال قياس مهارات التفكير . بل ان الباحثين وجدوا في دراسة أخرى ان التربويين اجمالا ينقصهم التدريب على قياس مهارات التفكير حتى عندما يكون تدريبهم على مهارات التفكير معقولا من حيث المبدأ. والواقع ان موضوع مهارات التفكير مثلما يقول الباحثون في حاجة الى المزيد من العمل بسبب ان برامج الامتحانات في المستويات القومية ومستوى الولاية وفي المستوى المحلي جميعا تكشف عن ثغرات كبيرة في قدرات الطلبة في ميادين حل المشكلات والتفكير الناقد .ولكن التغلب على هذه المشكلة يتطلب خبرة لدى المدرس في مهارات التفكير الناقد مثلما في مهارات قياسها لدى الطلبة على السواء. ومن غير المفيد ان يتم تدريب الطلبة على التفكير ثم فحصهم في اتجاهات اخرى لا علاقة لها بذلك. وقد وجد الباحثون في تقارير المعلمين عن انفسهم انهم يعتمدون بشكل كبير على قياس المعرفة [=التذكر ] والاستيعاب والتطبيق، بينما يولون التحليل والتركيب اهتماما ضئيلا . كذلك كشف بحث في المدارس ان الامتحانات لا تقيس مهارات التفكير، وان 90% من الاسئلة كانت موجهة لقياس حفظ المعلومات. كما وجدت الدراسة ان المعلمين يكتبون اسئلة الحفظ بسهولة واتقان، بينما يواجهون صعوبات حقيقية في كتابة الاسئلة التي تقيس عمليات التفكير المختلفة.

مثلما قلنا اعلاه اظهرت نتائج الدراسة ان معظم الاسئلة قاست مهارة حفظ الوقائع والمعلومات، وذلك يشمل المراحل كلها. كذلك يوجد اسئلة موجهة لقياس عمليات الاستدلال، بينما مهارة التحليل تحوز على اهتمام اقل، اما المقارنة والتقييم فلم يتم مسها مطلقا في اغلب الاحوال. وقد جاءت الرياضيات مختلفة بشكل غريب بحيث ان معظم الاسئلة وجهت باتجاه الاستدلال بينما كان للحفظ مكانة خمس الاسئلة فقط لا غير . ومن جانبنا نظن ان طابع الرياضيات بوصفها نظاما فرضيا استنتاجيا يحتم ان تكون الاسئلة موجهة نحو عملية الاستنباط التي تميز الطريقة الرياضية. ولسنا متاكدين من ان الباحثين قد احتاطوا بحثيا لهذه المشكلة. وفي بلادنا نعرف من تجربتنا وتجربة الاخرين ان من الممكن ان يحفظ الطلبة حلول الاسئلة فيبدو في الامتحان وكانهم يقومون بعملية رياضية معتادة بينما هم في الواقع يقومون بكتابة حلول لاسئلة يحفظونها عن ظهر قلب او على الاقل يحفظون اشباها لها. في هذه الحالة تكون الرياضيات في خانة المواضيع التي تحفظ اكثر مثل التاريخ او الاحياء على سبيل المثال.

يحاول الباحثون تقديم تعريف دقيق ومحكم لعمليات التفكير بغرض تيسير عملية فحصها وقياسها فالتذكر يتصل بتكليف الطلبة بتذكر وقائع او تعريفات او مفاهيم اوقواعد او مبادئ. واحيانا يطلب من الطلبة اعادة صياغة معلومات معينة، ولكن هذا لا يتجاوز في الواقع مهارات التذكر المشار اليها ومن المعلوم انه لكي يتمكن الطلبة من الاجابة على هذه الاسئلة فان المطلوب منهم ان يقوموا بتردادها وقتا يكفي لكي تعلق في ذاكرتهم.

المستوى الثاني من مهارات التفكير هو التحليل الذي يعني ان يقوم التلاميذ بتقسيم الكل الى اجزائه ومكوناته. وفي هذه الحال هناك تقسيم اشد صعوبة عندما يكون هناك علاقات سببية لا بد من كشفها، وهذا هو التحليل في مستواه العلمي المحتاج لتدريب اكبر. يمكن لمكونات الكل ان تكون شيئا من قبيل سمات الاشياء او الافكار او الاجراءات الاساسية في مشروع او احداث معينة.

اما المستوى الثالث اي المقارنة فتتطلب من التلاميذ شرح الفروق والاختلافات. وبانسبة للمقارنات البسيطة فانها تتطلب الاهتمام بواحد او عدد قليل من مكونات العملية او الظواهر موضوع البحث، بينما تتطلب المقارنات المعقدة تحديد سمات ومكونات عديدة. وهنا يمكن أن يحتاج التلاميذ الى القيام بالتحليل من اجل اتمام عملية المقارنة، كما قد يحتاجون الى اعادة تركيب الظاهرة على نحو مختلف من اجل رؤية التشابهات والاختلافات من منظور مختلف.

المستوى الرابع للتفكير هو الاستدلال الذي يشمل هنا الاستقراء والاستنباط على السواء. وفي الاستنباط

يعطى التلاميذ تعميماً يتوقع منهم أن يشتقوا منه معلومات أو نتائج معينة.بينما في الاستقراء يتوقع من الطلبة التوصل إلى معلومات معينة. و لكن العملية الكلية الحقيقية للاستدلال قد تتطلب التعميم والتنبؤ ووضع الفرضيات ودمج المعلومات وايجاد الارتباطات بينها. وذلك ما يقود إلى القول بأن التركيب والتحليل معاً ضروريان من أجل الوصول إلى استنتاج معين.

أخيراً يأتي التّقييم الذي يعني مقدرة الطالب على الحكم على نوعية ومصداقية وقيمة أو إمكانية تطبيق فكرة أو نظرية معينة. و هنا فإن الأمر يصل إلى مستوى أن يفحص الطلبة الأدلة أو المنطق أو القواعد ويحكموا على صلاحيتها أو صحتها أو فسادها. وهي مرحلة عالية بالفعل من مراحل التفكير.

عند دراسة تقييم المدرسين لهذه العمليات يفاجأ الباحثون بأن غياب أية محاولة جادة لقياس مهارات التفكير العليا ينطبق على الصف الثاني عشر مثلما الصف الأول. ولا بد أن الباحثين على حق في إبداء الدهشة لأن المتوقع نظرياً هو أن تزداد فرصة قياس المهارات العليا في مواضيع مثل الشعر أو الرواية أو الفيزياء أو الرياضيات، بينما يمكن لمعلم الصف الأول أن يواجه صعوبة في قياس مهارات التفكير في وقت يقتصر فيه التعليم على الحروف الهجائية وبعض الصور والتعاليم الدينية والأخلاقية على سبيل المثال.

كشفت الرياضيات مثلما أسلفنا أعلاه عن اختلاف واضح. ومن الأمور اللافتة بالنسبة للباحثين أنه بينما تشابهت ممارسة المدرس في الشفهي والتحريري في حالة المواد المختلفة، فإنها تباينت في حالة الرياضيات بالذات، بحيث أن الشفهي ركز على الحفظ، وهذا يعزز الانطباع الذي أشرنا إليه أعلاه انطلاقاً من تجربتنا الفلسطينية المحلية. ونخشى بالفعل أن الباحثين لم ينتبهوا لهذه المشكلة. لكن الباحثين يثيرون قضية مهمة هي أن المعلمين يمكن أن يقوموا بطرح أسئلة تفكير-ربما لأن سياق المحتوى يفرض ذلك في الرياضيات على سبيل المثال- على الرغم من أنهم لم يدربوا الطلبة على مهارات التفكير. ولذلك يركز الباحثون على أهمية اتساق سلوك المدرس وتكامله في العملية التعليمية بحيث يقوم بقياس المهارات التي قام بتدريسها بالفعل وليس شيئاً آخر. ومن المهم أن نختم هنا بالإشارة إلى أنه في الحالة الفلسطينية يغيب عن المعلم عنصر التدريب على مهارات التفكير مثلما يغيب موضوع قياسها لأن المعلم نفسه لم يتلق أي تدريب في هذا المجال في أي مرحلة من مراحل تدريبه الأكاديمي. وهذه الصورة القاتمة تتطلب ثورة حقيقية بالفعل وجهداً وموارد لا يستهان بها لوضع التعليم في سياق مختلف على نحو جذري، وذلك يعني من ضمن ما يعني أن يكتسب أستاذ الجامعة قبل معلم المدرسة مهارات التفكير المختلفة ويتوقف عن لعبة إلقاء المحتوى على مسامع الطلبة ومطالبتهم بإعادته في الامتحانات.