الخميس  23 أيار 2024
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

الإِعراض عن الحاضر.. صراعُ الأزمنة| بقلم: عبد الإله بلقزيز

2023-05-23 09:45:14 AM
الإِعراض عن الحاضر.. صراعُ الأزمنة| بقلم: عبد الإله بلقزيز
عبد الإله بلقزيز

بين نظرتيْن إلى الزّمن متقابلتيْن: واحدة إلى الماضي وثانية إلى المستقبل، يرتفع الحاضر ويغيب من الأفق الذّهنيّ تماماً!

والمفارقةُ في أنّ الغالب على تينك النّظرتين، البرّانيّتين على الحاضر والمهاجرتين إلى زمنيْن متباعديْن، أنّهما تدّعيان حرصاً على حاضرٍ هو عينُه الذي يدفع كلاًّ منهما إلى البحث لهذا الحاضر عن نموذجٍ قد يكون جُرِّبَ في زمـنٍ مّا، أو عن نموذج آخر بالكاد بدأ تجريبُه عند غيرنا في مكانٍ مّا من العالم. في الحالين، لا يملك الحاضر جواباً عن نفسه وعن حاجاته من داخـله؛ فهو منفعلٌ فقط وليس فاعلاً؛ وهو محض ميدانٍ لتجريب ما كان قائماً في غيره. لا يملك الحاضر ذلك لأنّه ليس سيّداً على نفسه، وإنّما هو محكومٍ من زمنيْن يقعان على طرفيْه: قبْلاً وبَعْـدَا!

هذا منطق نظرتين إلى الزّمن مغاليـتيْن تجاه حاضرٍ لا يعنيهما، بما هو زمنٌ خاصّ مستقلّ، بل فقط من حيث هو حـقْـلُ اختبارِ نموذجيْنِ يقع التّمذهُـب لهما من قِـبَل مَن هُم مسكونون بسحْر الماضي أو المستقبل. وليس يُهِـمّ، في المعرض هذا، إن كان دعاة هذين الزّمنيْن من محْـتِديْن مختلفين و، بالتّالي، يقفون من بعضهم موقفَ تَقابُـلٍ وتناقض، بل وعداء، وإنّما الأهمّ أنّهما يتحالفان معاً، بموقفـيْهما، ضدّ الحاضر ويلتقيان عند تجاهُـلِه ومَحْوِ كيانيّـته! لذلك يجد أولئك الذين هم مهمومون بالحاضر أنفسَهم في حالٍ عَسْراءَ من أمرهم وهم يواجهون ضغط هاتين النّظرتيْن - ومن تقف خلفهما من التّيارات - عليهم وعلى قضيّـتهم الأساس: عِمارة الحاضر.

لهؤلاء ولأولئك أسماءٌ ونعوتٌ مختلفة باختلاف مَن يُطلقها عليهم. يُكَـنّى الأوّلون بالتّراثـيّين والتّقليديّين والأصاليّين والماضَويّين...؛ ويُكَـنّى الثّانون بالمتغربنين والحداثـويّين (دعاة ما بعد الحداثة)... إلخ. يجتمع الأوّلون على فكرةٍ جامعة هي التّقـليد بحسبانه السُّـنّة التي ينبغي أن تجريَ عليها الأمّةُ والحياة ولا تحيد عنها، وهو - وإنْ كان من الماضي - ليس محصوراً، عندهم، في الماضي فحسب، وإنّما يمتدّ سلطانُه إلى الأزمنة جميعِـها. أمّا الثّانون فيجتمعون على فكرةٍ جامعة هي ما بعد الحداثة. وهذه لحظةٌ من الزّمن وَلَج الغرب بداياتها، لكنّها ستمتدّ في المستقبل، ولا مَهْرب لأمّةٍ أو ثقافةٍ أو مجتمع من أن تنخرط فيها فتنجو من الفناء، أو تتنـكّب عن ذلك فينفرط عقْـدُها. هكذا يوضَع الحاضر، أي مجتمعات اليوم، بين خيارين: العودة إلى الماضي وهندسةِ الآنَ عليه، أو الهرع إلى المستقبل ومحاكاته، أي - في الحاليْن - الازورار عن الحاضر ونفي زمنيّـته الخاصّة... ووأْد حاجاته الخاصّة!

وأحسب أنّ تحدّيات الحاضر، بما هو زمنٌ خاصّ، لا يملك مشروعٌ أن يجيب عنها سوى مشروع الحداثة. لا التّقليد يلائم هذا الحاضر (لأنّ واحدة من إعضالات هذا الحاضر أنّ بعض تبعات التّقليد وذيوله - المنحدرة من الماضي - ما فتِـئت تلقي القيود على حركة التّـقدّم فيه وتئِدها في المهد)؛ ولا ما بعد الحداثة تلائمه لأنّ هذه لا تكون ناجعة - إن كان لها من نجاعةٍ حقّـاً - إلاّ بعد أن تكون الحداثة قد رَسَخَت وتوسَّعت وأَنْـتجت مكتسباتها ثمّ دخلت طورَ أفولٍ استنفذت فيه ممكناتها؛ وهذه ليست حال المجتمع العربيّ والثّـقافة العربيّة. لا مهْرب للحاضر العربيّ من مشروعه الخاصّ الذي يطابقُه ويجيب عن أسئلته ويُشبع حاجاته: مشروع الحداثة؛ هذا وحده الذي من طريقه نتأدّى إلى تحقيق الأهداف الكبرى: العقلانيّة، العلم، الإنتاج، التّنميّة الشّاملة، الدّولة الوطنيّة الحديثة... إلخ؛ الأهداف التي حلم بها النّهضويّـون العرب منذ القرن التّاسع عشر، وظلّ أكثرُها معلّقاً وعصيّاً على التّحقيق منذ ما يقارب قرناً ونصفَ قرنٍ من الزّمن. وإذا كان المشروع هـذا غيـرَ جديدٍ على الوعـي العربيّ - هذا الذي ظلّ يتمثّله وينتج رؤًى وتصوّراتٍ ومعارفَ من داخله - فهو ليس برّانيّـاً، تماماً، عن الاجتماع العربيّ؛ إذْ شهِد الأخير على بعضٍ من معطياته في النّظام الاقتصاديّ والاجتماعيّ والتّربويّ و - إلى حـدٍّ ما - الاجتماعيّ والسّياسيّ ويمكنه، بالتّالي، أن يقطع فيه أشواطاً جديدة ويغنُم منه مكتسبات جديدة من غير أن يعتوره خللٌ في التّوازن.

من النّافل القول إنّ حداثة الحاضر، في مجتمعاتـنا العربيّة، ستجد نفسَها، موضوعيّاً، في حالة اشتباكٍ مديد مع تقليد الماضي ودعاته في الحاضر، أكثر من أيّ اشتباك قد يندلع بينها وما بعد حداثة المستقبل؛ لسببٍ معلوم هو أنّ جمهور الماضي والتّـقليد أضخمُ وأقوى وأكثرُ تنظيماً من غيره، من جهة، ولأنّ العدوّ الفعليّ للتّـقليد وقواه هو الحداثة وجمهورُها المتواضع من جهة أخرى. بل إنّ قوى التّـقليد لا تُبدي - وهي لم تُـبْدِ مرّةً - خشيتها من دعوة ما بعد الحداثة، ليس فقط لأنّ بعض خطابات التّقليد تتوسّـل مفاهيم وأدوات من منظومة ما بعد الحداثة، بل لأنّ كلّ نجاحٍ تُحْرزُه ما بعد الحداثة ضدّ الحداثة يصبّ في مصلحة التّـقليد! هكذا يتحالف الزّمنان وخطابُ كـلٍّ منهما لمواجهة غريمهما المشترك (الحاضر) وتبديده...