الإثنين  25 أيار 2020
LOGO

عهر الحرف الأول

2014-07-22 08:46:20 AM
عهر الحرف الأول
صورة ارشيفية

هنا نلتقي

 


 أنور الخطيب

 هل يجب أن نكتب عن الحرب؟ وبشكل أدق عن العدوان على غزة؟ وماذا لو لم يطاوعنا الحرف رغم غضبه وحنقه وأسفه؟ هل نستسلم لضعف اللغة ومحدوديتها، ونستلّ سكيناً نستدرج به دماءنا، فنكتب بها ما عجز الحبر عن تسطيره؟ وهل تكمن المشكلة في الكتابة بالحبر أو بالدم؟ أم تكمن في الروح التي تأمر العقل بأن يصدر تعليماته لأدوات الكتابة كي تؤدي واجبها البطولي، وكأن الكتابة فعل بطولة! لماذا لا يقع المقاتل المقاوم فريسة هذه الأسئلة، فيمتشق ريشة روحه ويبللها بتراب أرضه وينطلق لتكتب ساقاه على الدرب أنشودته بسهولة وسرعة وإتقان وكمال ما بعده كمال، حتى إذا ما استشهد يكون قد ترك روحه لتعيد صياغة الأنشودة من جديد، فلغة الحياة غير لغة الخلود. ولماذا لا يرتبك الشاب الملثم وهو يلتقط حجرا فيتمتم عليه تعويذة ألّفتها شرايينه في تلك اللحظة، ويرميه بكل عزم الشباب واندفاع الماء في شجرة الحياة، نحو جندي غريب أرعن يختبئ خلف درع يحمي وجهه وآخر يحمي صدره وثالث يحمي ساقيه كأنه تمثال من معدن؟

حتى إذا ما استشهد الشاب يكون قد ترك دمه يلملم الحجارة لرفاقه، فالحجر المبلل بالدم غير الحجر المحاط بإسراء الأنبياء نحو السماء. ولماذا لا ترتبك الأم وهي تدفع ولدها بعيدا عن حضنها ليفعل ما فعله طَلْقُها حين دفعه إلى الحياة، حتى إذا ما استشهد ولدها يكون المخاض قد أتاها مرتين، وتكون قد ولدت ابنها مرتين، مرة أطلقته للحياة في البيت، ومرة أطلقته للحياة في الوطن، وتكون روحه قد اكتسبت خواص الحرية المطلقة فتطير كما تشاء وحيث تشاء. الفرق بين الكتابة عن وطن في المحافل وبين الكتابة عن وطن وسط الشظايا والقنابل كالفرق بين الوقوع في أسر اللغة المحدودة وبين وقوع أسير في يد مقاتل، الكتابة الأولى إرباك والكتابة الثانية توهُج الاشتباك، والفرق بين الارتباك والاشتباك كالفرق بين سياسي ليّن متردد وبين مقاتل متمرّد، سياسي يحاول أن يمسك الصاروخ من الوسط، مرة يوجهه إلى أبناء شعبه وأخرى يوجهه إلى عدوه، ومقاتل يوجه صاروخه إلى عدوه فقط، وهنا تستريح اللغة دون أن نأمن شرّها. هل يجب أن نكتب عن الحرب؟ نعم.. وهل يجب أن نكتب عن العدوان على غزة؟ ألف نعم.. وهل الكتابة تنقذ روحا يستظل بها الجسد وبيتا يستظل الأطفال به؟ نعم.. ولكن علينا أن نجيد الكتابة، ونختار الأدوات الملائمة، ونختار بين أن نكتب بالحبر أو نكتب بالدم، فلو كتب الأولون بالدم لما وجدنا عربيين يختلفان حول العدوان على غزة (مع أو ضد)، ولما وجدنا فلسطينيين يختلفان في اتخاذ موقف تجاه العدوان على غزة (مع أو ضد أو ما بين البينين)، والثالث هو موقف العاهرات دائما. فهل مارس بعض الأولين العهر بدلاً من الكتابة بالدم؟ وهل بعض (الخلفاء) الحاليين هم صدى لعهر هؤلاء الذين ارتبكوا وفضلوا السباحة في بحر (ما بين البينين)، حتى فاض البحر الميت وصار لدينا بحاراً ميتة وبحارا للميتين؟ هنالك خلل ما في الحرف الأول، ولهذا أصيبت حوافه بالصدأ، صوت عربي يسيل منه القيح فيطالب حكومة بلاده بقصف الفلسطينيين وقتلهم بلا رحمة، وصوت فلسطيني يدعي ثقافة السلام والتحضر في المحافل الدولية والمحافل (التفاوضية) ويرى أن المقاومة (تعتدي) على الصهاينة. هنالك سرطان مختبئ تحتضنه جدران عازلة وتخفي خبثه عن الكريات الحمر والبيض، يتسلل بين فترة وأخرى فيلوث الرئات ويعود إلى حجره يطلق التصريحات تلو الفضائح. لم يفت الوقت بعد، الحرف الأول يمكن تصويبه، والسرطان يمكن الشفاء منه، وذلك عن طريق الكتابة بلغة الدم، حين يُبعث المقاتل في جسد الشاب الملثم فيولد من رحم أم أرسلت ابنها للقتال وانتظرت خبر استشهاده، لتزغرد..ثم تحمل من جديد.