في خطوةٍ تعمق عزلة فلسطين الدبلوماسية، أقدمت الإدارة الأمريكية هذا العام على منع الوفد الفلسطيني، بما في ذلك الرئيس محمود عباس، من الحصول على تأشيرات للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وفي المقابل، سهّلت واشنطن حضور قادة إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم حرب بلا قيد أو شرط. هذه المفارقة تفضح انحياز المنظومة الدولية في وقت تخوض فيه غزة معركة وجودية وتواجه الضفة الغربية مشاريع الضم والتهويد وسط غياب حاضنة عربية أو دولية حقيقية.
من جنيف إلى نيويورك: ذاكرة 1988 ومشهد اليوم
هذا القرار ليس سابقةً مُطلقة؛ ففي عام 1988، رفضت واشنطن منح الزعيم الراحل ياسر عرفات تأشيرة الدخول، فاضطرّت الأمم المتحدة لنقل اجتماعاتها إلى جنيف حتى يتمكن أبا عمار من إلقاء خطابه رمزاً لصمود التمثيل الفلسطيني. اليوم يتكرر المشهد بملامح مختلفة؛ إذ اكتفت القيادة الفلسطينية ببيان يعبر عن “الأسف والاستغراب والمناشدة”، ودعوة خجولة لواشنطن بالتراجع من دون تصعيد دبلوماسي أو تعبئة سياسية جادة، لتستقر النتيجة على مزيد من العزلة الفلسطينية.
الإلغاء كرسالة أقوى من الخطاب
خطاب الرئيس الفلسطيني على منبر الأمم المتحدة كثيرًا ما كان يمر بلا أثر سياسي ملموس. أما قرار الإلغاء، فقد يحوّل الغياب إلى حضور سياسي وإعلامي أقوى من أي خطاب متوقَّع؛ إذ يكشف الانحياز الأمريكي بلا مواربة ويحرج منظومة الأمم المتحدة في لب اتفاقية المقر لعام 1947. لكن أثر هذا الغياب مشروطٌ بتحويله إلى أداة ضغط: توثيق الانتهاك، تحريك الرأي العام، وبناء تحالفات تفرض كلفة سياسية على واشنطن وتعيد تعريف من يملك المنبر الدولي ومن يُقصى عنه.
سلبية فلسطينية وعجز عربي مزمن
لا يثير الغضب فقط انتهاك واشنطن لالتزاماتها القانونية الدولية، ولكن أيضاً الرد الفلسطيني الميال للمهادنة. اكتفت السلطة الفلسطينية بترديد لازمة “الالتزام بالشرعية الدولية ومسارات السلام” دون إدانة صريحة أو تهديد بخيارات تصعيدية؛ إذ غابت أدوات الضغط: طلب جلسة طارئة، حشد المنظمات الحقوقية، أو اللجوء للقضاء الدولي أو الأطر الأممية ذات الصلة.
عربيًا، يستمر الصمت ليعكس سياسة معلنة: لا بيانات قوية، ولا مبادرات أو ضغوط فعالة على واشنطن أو الأمم المتحدة. تبدو القضية الفلسطينية في واد، والأنظمة العربية في واد آخر تسوده الحسابات الثنائية ومشاريع التطبيع، بعيدًا عن واقع الغارات والحصار والجوع.
أما دوليًا، فتكشف الاعترافات الرمزية القليلة من بعض العواصم الأوروبية عن عجزها عن الضغط الحقيقي: ضجيج علاقات عامة لا يوقف الإبادة في غزة ولا يردع التهجير والسلب في الضفة، لتبقى تلك الاعترافات للاستهلاك الإعلامي أكثر منها امتلاكًا لرغبة فرض ثمن سياسي على الاحتلال وحلفائه.
ما العمل؟ من السلبية إلى الفعل
تحريك مسار الأمم المتحدة: مطالبة بعقد جلسة طارئة حول انتهاك اتفاقية المقر، والدفع لتفعيل آليات التحكيم المنصوص عليها في حالة تعذُّر حضور وفود معتمدة بسبب إجراءات الدولة المضيفة.
تصعيد قانوني وحقوقي: تشكيل فريق تقاضٍ دولي لتوثيق الانتهاك وربطها بسياق التمييز المُمأسس، وتحريك حملات إعلامية متعددة اللغات لتوصيل القضية إلى أوسع نطاق.
تحالفات ضغط: بناء جبهة دولية من دول الجنوب العالمي والمنظمات الحقوقية، لفرض كلف سياسية على واشنطن، مع المطالبة بمواقف برلمانية وأسئلة رقابية وتقديم مذكرات احتجاج رسمية.
استثمار الغياب إعلاميًا: تحويل “الغياب الحاضر” إلى سردية جامعة، عبر عقد مؤتمرات بديلة، ونقل الكلمة الفلسطينية إلى منصات أخرى؛ سواء في عواصم محايدة أو منابر الأمم المتحدة خارج نيويورك، وزيادة مؤشرات التأثير والمتابعة.
حق التمثيل وامتحان شرعية النظام الدولي
تُمكن أمريكا إسرائيل من فرض شروطها حتى في ساحة الأمم المتحدة، وتستهدف عزل فلسطين عن منابر العالم. ومع كل الانتقادات القائمة تجاه القيادة الفلسطينية، فإن تجريد فلسطين من التمثيل الأممي هو عدوان على الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي في الحضور الدولي، لا مجرد خصومة مع الأشخاص.
الرد الواجب هو إدانة واضحة، وتصعيد دبلوماسي منظم، ورفض أي محاولة لعزل فلسطين عن المجتمع الدولي. فالتمثيل ليس منّة تمنح بل حق مكفول قانونيًا وأخلاقيًا، وعلى من يدّعي الشراكة في النظام الدولي أن يبدأ من احترام هذا الحق ووقف تحويل التأشيرات إلى سلاح سياسي للإقصاء.