الأربعاء  27 تشرين الأول 2021
LOGO

عامر .. هرب من السجن !

2018-05-23 05:28:14 PM
عامر .. هرب من السجن !
الطفل عامر رأفت الكروي

 

الحدث- ريم أبو لبن

 

فرت هروباً من أمام ذاك الضابط الإسرائيلي والمدجج بالسلاح، وتشبثت لبضع دقائق بشريط أسود متحرك ينقلها خلسة وعبر جهاز للفحص إلى عالم رسم بأنامل صغيرة قد اقترنت خطواتها بعمر ما زال يرقد داخل تلك القضبان الحديدية حتى اللحظة.

قد يفر السجين من عتمة السجن بقصيدة أو رواية أو حتى مقال، وقد يتقن أحدهم فن تهريب الحكايات وبطرق قد يغفل عنها الضابط الإسرائيلي وتصبح فيما بعد عملاً يحكى به بين الناس .

 فماذا عن حكاية تهريب" النطف" من داخل السجون الإسرائيلية ؟!

قالت والدة الأسير رأفت الكروي:" حينها قلت في المساجد بأن رأفت سينجب عامر.. وجاء حفيدي عامر".

من يجلس خلف القضبان قد يسترق لحظات من العمر كي يعرض نفسه لـ"الفرح"، وقد يقلب أفكاره قليلاً كي يرصد احتمالية البوح بأحلامه، أي حلم يكمل رغبته كأب في سماع كلمة " بابا" حتى ولو أنها قد رددت من خارج السجن، ولكن صداها قد يُسمع بداخله.

في عام 2012 سجل تاريخ هروب أول نطفة من داخل أحد السجون الإسرائيلية للأسير عمار الزبن والمحكوم بـ 27 مؤبدا، فيما رزق آنذاك بمولوده "مهند". ومن ثم حذا حذوه عشرات الأسرى الذين تمكنوا من النهوض يوماً على صور تذكارية لأطفالهم، لاسيما وأن 64 طفلاً قد أنجبوا بواسطة " تهريب النطف" منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، بحسب ما أورده نادي الأسير.

ومن بين هؤلاء، الأسير رأفت الكروي وقد عرف حركيا باسم عبد الله الكروي، وهو رجل عسكري ينتمي سياسياً لكتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري التابع حركة فتح، تمت مطاردته إسرائيليا وبعمر لا يتجاوز 20 عاماً، ومن ثم اعتقل عام 2000 وتنقل ما بين عسقلان وبئر السبع، لاسيما وأنه قضى من حكمه 12 عاماً وتبقى من عمر السجن عامين.

قالت والدته: " كل يوم يمر على غياب رأفت، أجده دهراً كاملاً.. أصبحت أعد الأيام والليالي".

 

حب بزمن المطاردة

قد نفر أيضا من ذكريات وتفاصيل ماضية، ولكننا لن نتمكن من الهروب من عتبة "الحب" حيث اللقاء المؤجل وعبر "الإشارات"، فذاك لقاء ما بين رأفت بـ ميرا قبل الأسر.

كيف يكون "الحب" في زمن المطاردة؟

قد يكون "الحب" في زمن المطاردة مختلف، عندها تصبح النهايات أشبه بقصص الخيال لا سميا وأن بطل القصة أسيرا ما زال يرقد خلف القضبان حتى اللحظة وبه حلم لا يراوحه، أي حلم "العائلة".

وعن موعد اللقاء، قالت والدة رأفت: " في تلك الفترة، أي الفترة التي قضيت بالمطاردات، التقى رأفت بـ ميرا وتقدم لخطبها، وتزوجا بعد سنوات .."

لم يكن ذاك اللقاء في منزل العائلة عادياً، حيث أمسك كل منهما طرفي الحديث للبدء بجولة البحث عن النصف الآخر، فهو شاب تلاحقه عدسات إسرائيلية، وهي تلاحقها اللهفة للبوح بأنها " صماء" وتتقن فن التعبير بواسطة الحركات اليدوية.

وبنبرة ملؤها الفرح، قالت والدة رأفت: "قال لي رأفت بأنه كان يحدثها في البداية، ولكنها لم تستجب له، وما كانت تفعله سوى تحريك يديها لتعبر عما يجول في داخلها.. وعلم بأنها صماء".

في الساعة الواحدة ليلاً، تسلق " الفرح" عتمة ذاك المنزل البسيط، ليزف رأفت لأمه خلسة وبعيداً عن أعين إسرائيلية قراره بالزواج رغم خطورة تحركه في ذاك الوقت ما بين  مدينتي أريحا ورام الله، إذا كانت الأراضي الفلسطينية عام 2002 تشهد انتفاضة ثانية قد بدأت في عام 2000 لتستمر حتى الثامن من فبراير لعام 2005.

قالت والدته: " خاطر بنفسه في ذاك الوقت، وجاء ليعلمني بأنه قد اختار من ستكمل حياتها معه.. كان يريد أن يحيا كباقي أقرانه بعيداً عن المطاردات".

وعندها قال رأفت لوالدته: ".. أريد أن أتزوج من فتاة صماء، وأنا راض بما كتبه الله لي، وهذا نصيبي.."

تزوج رأفت الكروي وهو بعمر الثانية والعشرين، وصنع حلمه من داخل السجن.

لم تنسى ميرا، زوجة رأفت تفاصيل تتويجها كعروس في ليلة زفافها، حيث وصفها البعض بـ"فراشة" قد حطت على كتفي "مطارد" لترقص على إيقاع أغنية كان قد رددها رأفت دون أن تستمع لصوته أو للموسيقى، فما كان عليها سوى تحريك يديها فرحة به.

 

اقفل الهاتف ..

بعد استشهاد صديق رأفت، وهو عامر عبد الله عايدية (31)عاماً من مخيم الأمعري في عام 2004، إثر اندلاع اشتباك بين الشبان وقوات الاحتلال في أحد أحياء مدينة أريحا، أصبح لدى رأفت ردة فعل هي الأشبه بـ"الانتقام" تجاه استشهاد عامر بحسب وصف والدته، لاسيما وأنه قد سمي ابنه الأول بـ"عامر" تيمناً به.

قالت والدة رأفت مستذكرة حصار الأمين العام  للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات في أريحا: "حدثني رأفت عبر الهاتف وقال لي لا تخافي يا أمي فأنا متواجد في أريحا.. لم يعلمني بوجوده في المقاطعة مع سعدات".

في ذاك الوقت أي في الرابع عشر من آذار لعام 2006، أقدمت قوات الاحتلال وبطريقة "غادرة" على اقتحام سجن أريحا التابع للسلطة الفلسطينية من أجل اعتقال سعدات ورفاقه والمعروفين بخلية "الوزير زئيفي".

وبصوت متقطع يعلوه البكاء، قالت الوالدة: " حكالي ابني إنت خلفتي زلام يما ... ما خلفتي ولاد".

وأكمل رأفت مكالمته الهاتفية مع والدته، وقال بنبرة ملؤها الجبروت على حد وصف الوالدة: " إذا استشهدت يما افتخري، ابنك رافع راسك.. ما سلمت نفسي لإسرائيل".

واستكمل حديثه: " الموت يما واحد، والرب واحد، والعمر واحد، إذا إلي نصيب بحصل على الشهادة، ما بدي تبكي علي يما، بدي تزغردي. وإذا اعتقلت بدي ترفعي راسك ابنك كان يقاوم، وهذا سيسجل في التاريخ".

وبقلب محمل بالعزيمة، قالت الأم: " شعرت بالقوة حينها، وقلت له أنت اخترت طريقك إذاً، وإن كان نصيبك بالشهادة فأنا أول المهنئين لك ...". قالتها وبكت .

واقفل الهاتف ...

  

 

اعتقال ..

14.3.2006، هو تاريخ اعتقال رأفت الكروي والملقب حركيا بـ "عبد الله الكروي"، حيث اقتيد بتهمة ارتبطت بنشاطه في الجناح العسكري كتائب شهداء الأقصى، وعليه دخل سجن عسقلان ثم انتقل إلى سجن بئر السبع.

في بداية اعتقال رأفت، كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي ترفع شعار منع زيارة الأقارب للسجناء، وعليه منعت والدة رأفت من رؤية رأفت، وبعد عامين سمح للأطفال بزيارة ذويهم داخل السجن.

" بعد سنتين من السجن حصلت على تصريح وسمح لي برؤية رأفت، وكنت أمسك الهاتف متلهفة لسماع صوت ابني". هذا ما أوضحته والدة رأفت.

وعن عذابات الزيارة والانتظار لساعات طويلة، قالت والدته: " "كنت أخرج من المنزل الساعة الرابعة صباحاً وأجلس لساعات طويلة حتى أشاهد رأفت من وراء زجاج".

أضافت: " كان هناك نفق معطش بالرطوبة نمر من خلاله، حتى أن الاحتلال يشبعنا صوتاً يعلق في أذننا طوال الوقت وهو صوت زنانة، بهدف منعنا من الزيارة".

 

فتحت شبابيك السجن

في إحدى الزيارات المؤجلة، فتحت الشبابيك الموصدة أمام الأسرى سهواً، لتبدأ رحلة البحث عن قريب قبل إغلاقها.

قالت الوالدة: " أثناء الزيارة، نسيت الشبابيك مفتوحة أمام الزوار والسجناء، وإذا بي أرفع الشباك خلسة لألمس ابني رأفت، لاشتم رائحة عطره التي ما زالت معلقة بي".

عندها تفر الأمهات لتبدأ باحتضان أي أسير قد يلقي ويروي حكايته،  وقد تتسابقن بالبحث عن أبنائهن من بين هؤلاء الأسرى .

وفي معرض حادثة "فتح الشبابيك"، ذكرت الوالدة لـ"الحدث" حكاية الأسير فخري البرغوثي، حينما لامس يدي ابنه لأول مرة بعد غياب لـ 16 عاماً.

قالت: " لم أنسى هذا المشهد، حينما بكى البرغوثي للقاء ابنه لأول مرة، فقد كان يمسك بيده ليتأكد بأنه قد أمسك يد ابنه... شعور لا يصدق".

هي لحظات مرهونة بالوقت وبجبروت إسرائيلي، وبعدها أغلقت الشبابيك، ليحرم الآباء من زيارة أبنائهم عقاباُ بعد تلك الدقائق التي لا تنسى، وهي مرهونة بـ 40 دقيقة.

قالت والدة رأفت: " بعد ذلك، حرمنا من الزيارة، وبعد عامين ونصف من تلك الحادثة، أصبحت أزور ابني مرتين كل شهر، وحتى في مرضي كنت استعيد عافيتي وبعزيمة قوية لأراه".

أضافت: " ألقاه بقلب قوي، وأغادره بدموع يصعب الحديث عنها".

لم يكن وداعهم مقرونا بدموع قد أثقلت همم ذويهم، لاسيما وأن وداع رأفت بعد إحدى الزيارات قد حرمت والدته من رؤيته فيما بعد، بسبب رفعها لإشارة النصر عند كل وداع كما الأسرى أيضا.

وعن تمييز يد ابنها من بين أيادي الأسرى المقرونة بإشارة النظر، قالت: " كنت ألمح أصابع رأفت، فيده مميزة... كنت أميز رأفت، ..يما يا حبيبي".

أضافت: " وبعدها يتم معاقبتي ... يمنع رفع إشارة النصر".

فيما أوضحت بأن سلطات الاحتلال تتبع طريقة "استفزازية" لتهدم عزيمة الأقرباء أثناء الزيارة، لاسيما وأنه قد يعلم الأسير قبل موعد الزيارة بدقائق بأن والدته قد شعرت بالتعب وغادرت المكان للتوجه إلى المستشفى.

قالت الوالدة وهي تستذكر موقفاً قد جرى مع زوجها الأسير السابق أثناء زيارة ابنه رأفت: " وصل زوجي عند باب السجن للقاء رأفت، وعندها أبلغوه بأنه "مرفوض أمني" رغم حصوله على تصريح سنوي للزيارة".

 

تهريب النطف

بعد قضاء 5 سنوات في السجن، عمد رأفت على إقناع ذاته بتحقيق حلم يصبو إليه، ألا وهو إنجاب أطفال  وسموا بـ"سفراء الحرية" ورغم تواجده داخل السجن، وذلك عبر "تهريب النطف" على غرار ما قام به الأسير عمار الزبن.

"أثناء تواجد رأفت في سجن عوفر، أبلغني ومن وراء الزجاج وبلغة الإشارة بنيته تهريب النطف لإنجاب عامر تيمنا بصديقة الشهيد عامر عايدية ". هذا ما أوضحته الوالدة.

في ذات السياق، قالت: "أبلغت زوجته ميرا بنيته، وفي البداية لم تدرك الأمر وكانت تشعر بالخوف.. وكانت تتساءل بلغة الإشارة: كيف سأصبح أماً بهذه الطريقة، ماذا سيقولون عني !".

 

نطف هربت بكيس بسكويت !

قد تختلف أساليب تهريب النطف لإنجاب أطفال ارتبطت ملامحهم بمضمون "الحرية"، وقد اختار رأفت أن ينجب عامر بذات الطريقة وبأسلوب مختلف، حيث قام بتهريب نطف من جسده مروراً عبر أجهزة للمراقبة في سجن عوفر وصولاً إلى مركز رزان التخصصي لعلاج العقم وأطفال الأنابيب.

هكذا جاء عامر !

يقوم الأسرى بإخراج ما يسمى بـ أغراض الزيارة كهدايا لأسرهم وبتكلفة تقدر بـ 150 شيقل، وقد تزيد عن ذلك أحياناً بحسب ما أوضحت والدة الأسير رأفت، حيث قام رأفت بتهريب الحيوانات المنوية بعد أن قام بوضعها داخل " كفوف بلاستيكية" شفافة ونقلها على هيئة صرر داخل كيس من بسكويت " لواكر"، وفي كل كيس ترقد 10 صرر.

وعن ذكر تفاصيل أوفى، قالت والدة رأفت: "بعد أن يتم وضعها داخل الكيس، يقوم رأفت باستخدام القداحة لتذويب فوه الكيس لإغلاقه من جديد حفاظا على درجة حرارته من الداخل، وذلك لإبقاء الحيوانات المنوية على قيد الحياة، فهي تبقى على قيد الحياة لمدة 72 ساعة".

أضافت: "حصلت على أغراض الزيارة وتوجهت مباشرة إلى مركز رزان، وقال لي الطبيب بأن كل الحيوانات المنوية على قيد الحياة".

وهنا أكملت الحكاية، وبدأت عملية الإخصاب لإنجاب عامر، لاسيما وأن عامر اليوم يبلغ من العمر أربع سنوات ونصف، غير أن الأمر لم يتوقف عند إنجاب عامر تيمناً بالصديق الشهيد، وإنما زوجته ميرا هي حامل الآن بـ توأم ( ابنتان، وولد) وبعد مرور 4 سنوات من ولادة عامر.

قالت الوالدة: " عندما علمت زوجة ابني بقدوم 3 أطفال شعرت بالصدمة".

 

لقاء رأفت بـ عامر

قالت الوالدة لـ"الحدث": " قلنا لرأفت مبارك أقبل عامر.. ويزن 5 كيلو". وهنا ضحك عامر.

قالت والدة رأفت باكية: " قالي لي رأفت احضروا لي عامر كما هو بملابسه، وكما هو عندما ينهض من النوم، أريد أن اشتم رائحته ..وبكى".

بعد تسعة أشهر من ولادة عامر، أبلغ رأفت بقدوم مولوده الجديد، لاسيما وأن عامر قد أوجد في ذات أمه شعوراً قد غاب بغياب رأفت المؤقت.

وأضافت: " لم تتوقف المحاولات هنا، وقال لي رأفت  نريد أطفالا آخرين بذات الطريقة .. ".

واستكملت حديثها: " سيأتي عبد الله ومريم وميرنا ... ولن نتوقف هنا".

هي الحكايات لم تتوقف هنا، بل تفر من بين جدران السجون، وهذه الحكاية واحدة من ملايين القصص.. ولم تتوقف الحكايات هنا.. هناك عامر آخر في عالم آخر.