الأربعاء  26 حزيران 2019
LOGO

عجز القيادة الأمريكية في ما يتعلق بالشرق الأوسط/ بقلم: سام بحور

أمريكا لا تُفوِّت فرصة في تفويت فرصة بناء السلام في الشرق الأوسط

2019-06-06 09:10:29 AM
عجز القيادة الأمريكية في ما يتعلق بالشرق الأوسط/ بقلم: سام بحور
مفاوضو السلام من الولايات المتحدة، جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان

 

مهووسة بدعمها إسرائيل مهما كانت التكلفة، لا تفتأ أمريكا تُفوِّت أي فرصة متاحة، واليوم بات ذلك أوضح من أي وقت مضى، فها هي عصابة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط تشق طريقها بقوة صوب تنفيذ ما أسموه "بصفقة القرن".

تضم عصابة ترامب ثلاثة من محامي شركات لا دُربة لهم في الشأن السياسي أو الدبلوماسي ولا معرفة، حتى بسيطة، بتاريخ المنطقة، ليسوا إلَّا أبواقاً سياسية لمدرسة الفكر السياسي التي ينضوي تحتها الأشخاص الأكثر تطرفا في المجتمع الإسرائيلي، أمثال يغال عمير، المتطرف الإسرائيلي الذي اغتال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في الرابع من تشرين ثاني/نوفمبر عام 1995 لدخوله عملية أوسلو للسلام. هذا وقد كان ديفيد فريدمان على وجه الخصوص، وهو أحد أعضاء الفريق، محامياً مختصاً بتفليسات شركات ترامب، الذي أصبح اليوم سفير الولايات المتحدة في إسرائيل وهو من الداعمين المتحمسين لمستوطنة بيت إيل الجاثمة بالقرب من منزلي.

بدأ ترامب بقرع طبول حربه على الفلسطينيين منذ أن بدأ حملته الانتخابية، فقد كان أسلوبه مع الفلسطينيين منذ اليوم الأول من استلامه سدة الرئاسة أشبه بالثور الهائج، وبخلاف ادعاءات عصابة ترامب المغلوطة أنها ستعقد "ورشة اقتصادية" في البحرين لاحقا هذا الشهر لتكون بمنزلة إحدى خطوتيّ الكشف عن "الصفقة"، فما أبعد الواقع عن هذا الادعاء، لأنَّ تنفيذ صفقة القرن غير المُعلَن بدأ بالفعل قبل سنتين.

وسرعان ما تحولت "صفقة القرن" إلى أشبه ما يكون "بسيرك القرن المتجول" خصوصاً مع جاريد كوشنير، صهر ترامب، مسؤول الصفقة الذي يحجل بشركته في المنطقة ساعياً للترويج لمنتجات اقتصادية، افتراضاً منه أنها ستحسن الظروف المعيشية للفلسطينيين، بينما يتجاهل تماماً الفلسطينيين أنفسهم. وبتنفيذ جميع الجوانب السياسية للصفقة قبل الإعلان الرسمي عنها، فستخسر الولايات المتحدة أي فرصة ممكنة لإنجاحها، وستكون جولة تَدَخُّلِها في الشرق الأوسط مثالاً يُدرَّس لطلاب العلوم السياسية والدبلوماسية ليتعلموا منه ما يجب عليهم ألا يفعلوه في مسيرتهم المهنية.

وأكثر ما يثير الشفقة هو وجود الفرصة الآنية في هذه اللحظة بالذات لإحراز تقدم كبير في السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فبرمي بعض رسائل الحب الشائكة على حليفتها الاستراتيجية؛ يُمكن للولايات المتحدة أن تستخدم سلطتها لتضغط على إسرائيل وتضع حداً لاحتلالٍ عسكري قرع عقده الخامس. ولكن الولايات المتحدة تخطئ اليوم مجدداً في قراءة الواقع، بل تتجاوز حدود سلطتها الآخذة بالتراجع في مختلف أرجاء العالم، وخصوصا في الشرق الأوسط.

يطول سرد التاريخ، لكنَّ الفكرة التي أرميها تتضح جلية بإسقاط بعض الإضاءات.

بداية مع عام 1977، عندما أدلى زبيغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، بمقولته المشؤومة "باي باي م. ت. ف." (مع السلامة يا منظمة التحرير الفلسطينية) في مقابلة له مع باريس ماتش المجلة الإخبارية الأسبوعية الناطقة بالفرنسية. وجاء هذا في خلفية أحداث الحرب الأهلية اللبنانية التي هوجم فيها الفلسطينيون، وتوجه الرئيس أنور السادات لزيارة إسرائيل، قاطعاً بزيارته علاقاته بسائر الدول العربية، ليصبح رجاء بريجينسكي بأن تختفي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل السياسي للفلسطينيين فرصة فاتت على أمريكا أكثر من أي فرصة أخرى. فلم يمر أكثر من 20 عاماً على اجتماع منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في حديقة البيت الأبيض تمهيداً لإطلاق عملية أوسلو للسلام.

ثم في عام 1982، شنّت إسرائيل حربها على لبنان للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأبد، وساندت الولايات المتحدة إسرائيل في الحرب وزودتها بالسلاح وبتغطية دبلوماسية لم يسبق لها مثيل، لكنَّ ذلك لم يفضِ إلى القضاء المرجو على منظمة التحرير الفلسطينية بل أُجبِرَت على الرحيل من لبنان، لتعود إليه مجددا بعد بضعة شهور. وتأتّى ذلك بظهور ميليشيات حزب الله المسلح حصيلة تخبط أمريكا.

بعد ذلك شهد عام 1987 الفلسطينيين الذين ضاق بهم ذرعاً ما عانوه عقوداً من الاحتلال العسكري، فجاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى متحدية إسرائيل بالعصيان المدني، والإضرابات العامة، والتنظيمات المجتمعية التي صحبتها موجة هائلة من الثقافة والفن الوطنيين. وفي ظل الانتشار المتزايد للأخبار التلفزيّة على مدار الساعة، بدأ العالم بملاحظة حقيقة الاحتلال وما يبدو عليه من الداخل، وقد كانت هذه اللحظة مثالية للولايات المتحدة حتى تتدخل وتتلقف الفرصة لتجبر حليفتها إسرائيل على إنهاء الاحتلال، ولكن عبثاً لم تتخذ الولايات المتحدة ذلك سبيلاً، وفشلت مجدداً، لتأتي ولادة حركة حماس حصيلة تخبط أمريكا.

وفي عام 1988، بمحاولة استراتيجية لترجمة الاهتمام العالمي بالانتفاضة الأولى، أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية إعلان الاستقلال الفلسطيني – بالتصويت ليحصل على 253 صوتاً داعماً، مقابل 46 صوتاً رافضاً، بينما امتنع عشرة عن التصويت - وبذلك أُعلن القبول الرسمي بتقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين، فلسطين وإسرائيل. مجدداً كانت هذه الفرصة مثالية نظراً لكون الفلسطينيين تحت الاحتلال، بينما يتواجد ممثلهم السياسي خارج البلاد، ولكن عبثاً كانت مساعي الولايات المتحدة.

وقد رفض رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك الاستسلام، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988 دُعِي ياسر عرفات ليلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، واعداً أن يُسمِع المسرح العالمي بالحاجة الماسة لإفهام الدول حقيقة مفادها أنَّ الشرق الأوسط لن يعرف سلاماً ما بقيت رقاب الفلسطينيون رازحة تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. وبدلاً من استقبال هذه الافتتاحية، رفضت إدارة ريغان منحه تأشيرة الدخول، الأمر الذي نتج عنه عقد جلسة مخصصة في مبنى الأمم المتحدة في جنيف؛ لتذهب هذه الفرصة أيضاً أدراج الرياح.

ورغم قصرها زمنياً، فقد شهد التاريخ لمرة واحدة إزالة الولايات المتحدة العصبة عن أعينها لترى الواقع، ففي كانون الأول/ديسمبر عام 1988، وفي "حركة عكسية مفاجئة للمقاطعة الدبلوماسية من الولايات المتحدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، أعرب وزير الخارجية جورج شولتز" عن استعداد بلاده لإطلاق "المحادثات المباشرة" مع منظمة التحرير الفلسطينية. وبذلك حقق إصرار ياسر عرفات نجاحاً بإلقائه خطاباً في الأمم المتحدة.

ثم في عام 1993، اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية خطوة لم تقدم عليها قط تمثلت بالاعتراف المباشر بدولة إسرائيل ضمن إطار عملية أوسلو للسلام، وهو تنازل سياسي مهول. وفي المقابل، ردّت إسرائيل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، لا بدولة فلسطين، وقد تجاهلت الولايات المتحدة انعدام التوازن بين اعترافيّ الطرفين، بل مارست الضغوط للسماح لإسرائيل بالتفاوض في ظل إجراءاتها التوسعية للمستوطنات غير الشرعية، مستفيدة كل الإفادة من معونة الجيش الأمريكي والتغطية الدبلوماسية على مدار عدة عقود شهدنا فيها عددا لا حصر له من الاجتماعات، والورش، والمؤتمرات، والتعهدات، والتصريحات التي لطالما لم تتمخض سوى عن خفَّي حُنيْن، وهكذا تعثّرت الولايات المتحدة في رحلتها التي دامت عقدين من المفاوضات، فلم تفشل مرة واحدة، بل فشلت مراراً وتكراراً.

وعندما بات فشل عملية أوسلو للسلام واضحاً للعيان، قدمت منظمة التحرير الفلسطينية فرصة تاريخية أخرى لحل الصراع، ففي 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012، عَرَضَ الفلسطينيون قراراً للجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب بالحصول على عضوية لدولة فلسطين. ورفضت الولايات المتحدة هذه الخطوة وخلفها ثماني دول أخرى (أربعة منها كانت جُزٌر في المحيط الهادئ تقع تحت حماية الولايات المتحدة). صوتت غالبية دول العالم بالموافقة، واعتُمِدَ القرار، تأكيدا على "التزامها، وفقا للقانون الدولي، بالحل المتمثل في وجود دولتين، دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية ذات سيادة تتوفر لها مقومات البقاء متصلة الأراضي تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن على أساس حدود ما قبل عام 1967" ألا وهو الهدف المنشود. وهو أيضاً الأمر الذي يذكّر بفشل الولايات المتحدة بالانضمام لباقي العالم في ذروة ما شهدته دولة جنوب إفريقيا من صراع ضد التفرقة العنصرية، فقد فشلت الولايات المتحدة مجدداً بأن ترى هذه الفرصة المثالية لتؤمن بإنهاء الاحتلال وتسمح بالاعتراف بحل الدولتين.

يا لها من صدفة، فبينما بدأ الفلسطينيون بالحصول على اهتمام العالم في ظل اعتراف أكثر من 135 دولة بدولة فلسطين، قررت أمريكا تغيير قواعد اللعبة وتجاهل القانون الدولي ليجري ثلاثة محامين متخصصين بقوانين الشركات ممارسات خفية، وبالمناسبة لم يُعلِم الثلاثي مؤسسة العلاقات الأجنبية الأمريكية بأي من هذه الممارسات.

وعندما كانت القيادة الفلسطينية –حتى في ظل ضعفها الداخلي- تمد يدها لحلّ الصراع بناء على حل الدولتين، وبعد فترة طويلة من توضيح الجانب الإسرائيلي أنه غير مهتم في إنهاء الاحتلال العسكري الذي دام 51 عاماً، ترفض الولايات المتحدة مجدداً النظر في هذه الفرصة. ولربما تكون هذه الفرصة الأخيرة قبل أن تفرض إسرائيل واقع الدولة الواحدة التي تمتد من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، واقع لا يمكن الرجوع عنه، مما سيقرع بداية النهاية لإسرائيل، كما هو متعارف عليه الآن.

ولربما يتساءل أحدهم عن مكان الدولة الأمريكية الخفية، بل الأهم من ذلك، لربما يتساءل آخر عن مكان الموزونين في العاصمة واشنطن، هل يعقل أن يكونوا قد أجمعوا أمرهم والتفوا حول محاولة ترامب لتصفية النضال الفلسطيني لنيل الحرية والاستقلال؟ يصعب تصديق هذا وثمة أحد لا يريد تبرير ما يفعله صناع السياسات الأمريكان والاعتراف بأنهم كالفلسطينيين، تحت تأثير الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وفي حالتهم فهم يضعون مسيرتهم السياسية على المحك إذا ما اختاروا المساعي الاستراتيجية الأمريكية بدلاً من المساعي المتطرفة الإسرائيلية.

فعلاً، كل ما تفعله أمريكا هو الإصرار على عدم تفويت أي فرصة تسمح لها بإضاعة فرص تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وسينتهي المطاف بالفلسطينيين والإسرائيليين بأن يدفعوا الثمن بعد عودة عصابة ترامب إلى مكاتب المحاماة الخاصة بهم. وللأسف، إذا كان التاريخ مؤشراً لأي شيء، فإنه يشير إلى أن للفلسطينيين حصة الأسد من الضحايا، بمعدل ألف مقابل كل إسرائيلي تقريباً، ودعونا نتفق على الحق الكامل للألف والواحد من الضحايا في العيش!

كوني أمريكيا، أجدني أوافق ما قالته المتحدثة باسم الكونغرس مؤخراً، نانسي بلوسي: "في كل حدث، أصلي لرئيس الولايات المتحدة، وأصلي للولايات المتحدة الأمريكية".

سام بحور، مستشار أعمال فلسطيني-أمريكي من رام الله/البيرة في الضفة الغربية، وهو رئيس مجلس إدارة أمريكيون من أجل اقتصاد فلسطيني نابض، وهو المستشار السياساتي للشبكة، شبكة السياسات الفلسطينية، ومحرر مشارك في كتاب "الوطن: التاريخ الشفهي لفلسطين والفلسطينيين" (1994). ويدون آراءه وكتاباته على موقع ePalestine.com . SamBahour@.