الأحد  20 تشرين الأول 2019
LOGO

فضول الهاوية/ بقلم: العقيد لؤي ارزيقات

2019-07-10 10:34:05 AM
فضول الهاوية/ بقلم: العقيد لؤي ارزيقات
الناطق الاعلامي باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات

خالد (اسم مستعار) شاب يملك مركبة يعمل عليها ومنها يجمع قوت أولاده ويوفر لهم ما يحتاجونه من مأكل ومشرب ومسكن ولباس دون الحاجة لأبيه أو شقيقه ولا حتى لقريبه، يعمل طوال النهار ويسهر الليالي الطوال في تربيتهم وخاصة بناته اللواتي أحبهن كثيرا واهتم بتربيتهن.

في إحدى الأيام، خرج في رحلة عمل مع صديقه الذي يتعاطى المخدرات ويتاجر بها دون أن يعلم خالد بذلك، وكانت الرحلة  طويلة امتدت من جنوب البلاد إلى شمالها، وأثناء سيرهم لاحظ خالد أن صديقه يتناول سيجارة غريبة لها تأثير غريب ويصبح في حالة لم يعهده بها سابقا، وكلما تناول سيجارة أخرى منها، ينتاب خالد شعور غريب يدفعه تارة للتجاهل واللامبالاة وعدم الاكتراث لما يصيب صديقه كونه هو من اختار لنفسه ذلك، وتارة أخرى تتملكه أفكار الرغبة في التجربة وحب الفضول لديه، ولكنه خائف لنتائجها التي قد تظهر عليه كما تظهر على صديقه، وبعد تفكير لم يدم طويلا يتغلب على خالد  فضوله القاتل الذي سيودي به للهاوية ويطلب منه سيجارة ليجربها فينظر إليه صديقه المفترض أن يكون حريصا عليه؛ بسعادة كبيرة، لأنه يعلم بأن سيجارة الفضول هذه ستجر خالد للتعاطي المستمر ويزداد عدد زبائنه، حتى وإن كان أعز أصدقائه وبالتالي ترتفع الأموال التي يجمعها، لم يتردد للحظة واحدة في إعطائه إياها، لم ولن ينصحه بعدم الاقتراب من هذا السم القاتل متناسيا تضحيات خالد معه وجمائله عليه.

وعند سؤاله ما هذه فقال له إنها سيجارة الانبساط والانتعاش لا تترد.. إنها سيجارة الفضول الأولى ولكنها ستكون القاتله.

يسحب منها خالد وعيناه تزغلل وتذهب يُمنة ويُسرى في حالة لم يشعر بها من قبل كادت أن تنهي الرحلة  بحادث سير مميت إلا أنه استقوى قليلا واستجمع قواه إلى أن عاد لمنزله وهو متعب ورأسه يكاد ينفجر من الألم وتوجه لفراشه فورا ليغرق في نومه على غير عادته، ولم ير أبناءه وبناته اللواتي أحبهن كثيرا ولم يستيقظ إلا بعد خروجهم للمدرسة،  وكان أول ما فعله صباحا اتصاله بصديقه لإخباره عما جرى معه وسؤاله عن هذه السيجارة اللعينة وما هو الحل لهذا الصداع القاتل، طبعا سؤال أسعده كثيرا؛ لأن الحل لديه. كيف لا وهو الصديق الوفي الذي يُقنعه بضرورة الحضور له فورا لأخذ سيجارة جديدة مماثلة وسيجارة أخرى وأخرى حتى اعتاد عليها وأدمن تناولها.

وتمر الأيام وهو يتعاطاها دون علمه بأن صديقه هو تاجر للمخدرات، إنه صديق السوء، إنه الصديق الذي لم يُراع معناً للصداقة، إنه الصديق الذي سعى لجعله مدمنا بهدف واحد وهو بيع مخدراته لجمع المال، وبعد فترة من الزمن يبلغه بشكل مفاجيء ومقصود بأن النوع الذي اعتاد عليه غير موجود ولن يستطيع توفيره في فترة قريبة، واستمر الأمر لعدة أيام وحالة خالد تسوء وجسده لا يتحمل الانقطاع عن هذا السم القاتل.

عدة أيام وهو لا يستطيع التحرك من المنزل، يرافقه صداع فظيع وحالة قيء شديدة وجسده يهزل ولا يقوى على فعل شيء.. ما الحل؟  ماذا يفعل؟ لا خيار أمامه إلا الاتصال بصديق السوء، ليجيبه أن الحل عنده بنوع ذو طعم جديد ونكهة جديدة يجعله أكثر حيوية ونشاطا ويغير حالته، وبسبب حاجته لتهدئة جسده لم يفكر إلا بالتوجه له وبتناول هذا النوع الأشد ضررا، وبعدها يتناول نوعا آخر وآخر إلى أن وصل حد الإدمان الخطير ولمرحلة تناول فيها الحقن، وهي طريق اللاعودة وطريق الموت إذا لم تتوفر الإرادة، وهو ما غير حاله وحياته، وأصبح يعمل ليل نهار لجمع ثمن وجبة المخدرات، ولكلفتها الزائدة باع المركبة التي تدر عليه المال وباع أثاث منزله وكل ما يملك وسرق مصاغ زوجته وكل ما طالته يده وبدا يتسول من أشقائه وأصدقائه ومعارفه لكن كم مرة سيعطونه. 

إنه يستمر بتعاطي المخدرات ويهزل جسده وانفضح أمره، أولاده أصبحوا متسولين على أبواب الأقارب والمساجد وفي الأزقة والشوارع لسد حاجاتهم البسيطة، يفطرون على كسرة خبز يابسة ونادرا ما يجدون لبنا أو زيتا أو شايا يغمسونها فيه، ليستطيعون تناوله دون قساوة، زوجته حاولت الصمود لفترة طويلة متأملة منه التراجع  لكنها لم تستطع وتخلت عنه بعد الضرب والإهانه منه ولقساوة الكلمات التي تلقتها من الجيران والأهل والأقارب لتعود إلى أهلها تاركة بيتها الذي أحبته وذكرياتها الجميلة فيه وتغمرها حرقة فراقها لأبنائها، أما بناته اللواتي لِتوّهن كُن من أفضل بنات حيهن وأصبحن يتسولن لقمة العيش، فيحصلن عليها تارة وأخرى يُطردن من أمام المنازل علاوة على نظرات صديقاتهن في المدرسة اللواتي ابتعدن عنهن لأنهن بنات مدمن على المخدرات، وخالد لم تنجح كل محاولات الأهل والأصدقاء والأقارب في منعه من تعاطي هذه السموم ولم تدفعه دموع أطفاله التي ذرفتها عيونهم للتراجع، بل وكان همه وسط كل هذا وذاك فقط هو الحصول على المخدرات والحقن التي بانت  في أنحاء جسده الهزيل.

طفلة تبكي هنا وأخرى تتسول هناك وثالثة تتوسل إليه وابن يهرب من المدرسة ليبيع الحلوى على إشارة المرور والمفارق ليجمع ما يستطيع لسد حاجة من حاجات إخوانه، وابن آخر يذهب للعمل في المحال والمصانع والورش ولكن سرعان ما تطرده لعنة المخدرات، كيف لا وهو ابن لمدمن عليها يعرفه كل من في الحي والحارة والبلد، أطفال كلما عادوا للمنزل ويشاهدون حال والدهم يبدأون بالبكاء من الليل حتى الصباح.

 وكل هذا لم يقنعه ولم يدفعه للتراجع بل ويستمر في حقن نفسه مرة في ذراعيه وأخرى في قدميه ومرة في رقبته وصدره حتى لم يسلم أي مكان في جسده ولا شريان إلا وحقنه بهذه الحقن القاتلة دون أدنى تفكير بالتراجع.

وفي إحدى الليالي، وبينما خالد يقوم بتحضير حقنته للبحث عن جزء لم تصله الحقن، وهي الحقنة القاتلة، وهو يعرف أنه بعد تناولها سيموت حتما لأنها ستكون في الشريان الأخير بالمنطقة الحساسة في جسده، وبينما هو كذلك وإذا به يسمع صراخ إحدى بناته التي لم تجد شيئا تأكله وتُخبر شقيقتها التي تصغرها سنا بأنها توجهت لتتسول من هنا وهناك وقوبلت بالرفض من الجميع وطُردت من أمام منازل الأقارب والجيران.. بُكاؤها وكلماتها وصرختها كان لها وقعا خاصا على مسامع خالد جعلته يتوقف للحظات عادت به ليتذكر زوجته التي تركته لظلم أوقعه عليها وإخوته الذين تخلوا عنه بسبب رفضه العلاج مرارا وتكرارا  والأصدقاء الذين لم يسألو عنه منذ إدمانه ومراكز التوقيف التي سُجن بها مرارا وتكرارا ومركبته التي خسرها لشراء المخدرات وأثاث منزله ومصاغ زوجته الذي سرقه وحياته التي حولها لجحيم.. لحظات تذكر فيها بناته وأبنائه والمآسي والصعاب والظلم الذي تحملوه بسببه، وسماعهم للكلمات القاسية في المدرسة والشارع والحي ليس لأنهم سيئون وإنما بسبب والد لم يراع ظروفهم ولم يحافظ على طفولتهم والطيبة التي تغمر قلوبهم.

لحظات ذكرته في أيام كان لا يتوانى في إحضار ما يطلبونه منه لتوفير العيش الرغيد لهم، وتذكر كيف كان أصدقاؤهم يتمنون أن يكونوا مثلهم وتذكر فيها عمله ومركبته التي خسرها ومنزله وأسرته التي دمرت بسبب تعاطيه وإدمانه على هذه السموم.

خالد في لحظات تزاحمت بها الأفكار بين الماضي وحياته الحالية، وبين حاجة جسده لهذه السموم وبيده حقنته الأخيرة المميتة، وبين الموت الذي سيغشاه ويفصله عنه حقنة من الهيروين وملح الليمون الحارق، ولكن نظراته تتجه تارة لابنته التي تصرخ وتبكي وتارة لحقنته التي يعتقد أنها ستريحه، وبينما هو كذلك يَتملكه الخوف من الاستمرار في جلب المزيد من المآسي والغم والهم والمعيار لأبنائه، فيقرر بأنه لن يتناول هذه الحقنة ويتلفها ويغادر المنزل ولكن إلى أين؟ أسئلة كثيرة تراوده وأفكار تتملكه ويتذكر تلك اللحظة التي جعله فضوله فيها يتناول هذه السيجارة اللعينة والتي أوصلته للهاوية ولحالته هذه، وتذكر صديق السوء الذي أوصله للإدمان، فهل يتوجه لصديقه ويقتله وينتحر هو الآخر، أم يتوجه لأقرب مكان ويسرق المال له ولأبنائه، ولكنه تذكر كلمة لطالما سمعها من الشرطة والأهل والأصدقاء الصادقين بأن أفضل طريقة هي التراجع والعلاج للخلاص مما هو فيه، فيتوجه لمركز العلاج الذي لطالما اُحضر اليه مجبرا ولكنه رفض مرارا وتكرار، ولكن هذه المرة ليس كسابقاتها فهو حضر إليه بإرادته ومستعدا لتحمل الألم المغموس بالأمل بتعافيه منها، وبمساعدة الأطباء وخلال شهرين يتعافى ويعود لحياته مع زوجته وأبنائه الذين قبلوه بكل سرور وعاد النور في زوايا منزلهم وعادت البهجة إليهم ولم يأبه لأي رأي آخر ما دامت عائلته تُصدقه وتعاونه على أمل معاونته على قبول المجتمع له، لأنه رفع عنهم وصمة كانت ستلاحقهم للأبد لو استمر في تعاطيه ووفاته، ألا وهي وصمة أنهم أبناء المدمن الذي مات بجرعة زائدة.   فيكفينا تصديقا لأصدقاء السوء ويجب أن نبتعد ونحد من فضولنا، ولنساعد مرضانا للتعافي من الإدمان على هذه السموم.